أم الغلابة (أم السيد)

"الأعجوبة العظيمة لرئيس الملائكة ميخائيل مع الفتى تلاصون والغني"

البابا القديس كيرلس الأول
الأنبا صموئيل المعترف

"فستلد إبناً وتدعو إسمه يسوع لأنه يخلص شعبه من خطاياهم" (مت 1 : 21)

يعقوب وعيسو

 

 

أم الغلابة (أم السيد)

سيرة وأعمال هذه البارة هي امتداد لأنبياء الله القديسين ... وقد كانت قديستنا بستان مغروس وسط صراعات العالم المملوء بالشر، لكنها روت شجرتها بالدموع والجهاد والاحتمال ، فآوت إليها طيور كثيرة.
 
كانت المرحلة الأولى من حياتها في بلاد الصعيد، فكرزت وبشرت في القرى والنجوع بين نفوس كادت أن تهلك في ظلام الخطية وعبودية الشر.
 
ثم دبرت عناية الله أن تنتقل مع أسرتها إلى حي شبرا، وكان ذلك في أواخر الخمسينات ، فاشتهرت آنذاك بمحبتها وخدمتها للفقراء، حتى لقبت "بأم الغلابة".
 
وكان كثيرون يأتون لزيارتها في بيتها البسيط، منتفعين من خبراتها الروحية العميقة واختباراتها المعاشة مع الرب وقديسيه، منهم رجال إكليروس من مختلف الأديرة والكنائس: وقد جملت بمواهب الروح القدس .. فحدثت بصلواتها بركات ومعجزات عديدة..
 
إن حياة هذه السيدة توبخ جيلنا المعاصر، فقد صرنا نقترب إلى الرب بالفم ونكرمه بالشفاه، وأما قلوبنا فمبتعده عنه بعيداً (مت 15: 8).... فجاءت هذه السيرة كصوت صارخ، وبالأخص للمتهمين بالعمل الاجتماعي في الكنائس، ليتعلموا جيداً ، إن أعمال الرحمة، هي مدخل هام للأبدية، والتقصير في خدمة الفقراء يدفع البعض إلى الإنحراف أو الإرتداد أمام الضغوط الإقتصادية الواسعة.
 
ولدت أردينا مليكة يوسف (أم الغلابة) في عام 1910 بقرية الشيخ علام (مركز الكوامل/سوهاج)، من أسرة ثرية جداً تمتلك العديد من الأطيان والسواقي. وقد ماتت أمها بعد ولادتها بأربعين يوماً .. فاحتوتها أحضان شقيقتها دندية (هي أكبر شقيقاتها من جهة الأب).
 
أما والدها فقد كان رجلاً ذو سطوة ومهابة في بلدته. وكلمته نافذة كالسيف على الجميع .. كما كانت له هواية رديئة في إستحضار  الجان والتعامل معه، فزاد هذا الأمر من سطوته وجبروته. حتى تحجر قلبه وتجمدت مشاعره تجاه وصايا الرب، فحاد عن طريقه المستقيم.
 
فحرمت هذه الطفلة الصغيرة ذبائحه لأنها ناتجة من مال حرام، وفضلت الأطعمة البسيطة القليلة عوض الأطعمة الفاخرة الدنسة.
 
وقد تمتعت في صغرها بنضوج روحي مبكر ، رغم التيتم وقسوة الأب، حتى كانت تهرب من البيت في سن السابعة من عمرها. وتسير على قدميها لمسافات بعيدة، لتصلي بأحدى الكنائس التي تبعد عن قريتها كثيراً .. كما تدربت منذ حداثة  عهدها على أصوام الكنيسة، رغم معاندة ومعارضة والدها، والذي كان كحد تعبيرها .. يفتح فمها بالقوة ويضع بداخله شوربة اللحم، حتى يكسر صومها فتفطر.
 
فكانت تعود للصوم مرة أخرى في قوة وإصرار على التنسك والزهد. وهكذا شقت هذه البارة طريقاً يجمعها بالرب منذ الصبا، رغم العراقيل والعقبات التي اعترضتها، والتي ظلت تتكبدها حتى لحظة نياحتها..
 
في عدة أحاديث روحية لأم عبد السيد، أكدت بأنها مرت في طفولتها باختبارات عميقة (من سن الثالثة حتى السابعة) ، فقد كان الشيطان يأتيها علناً ليزعجها ويخيفها، فكان الرب يسوع بنفسه يظهر بمجده النوراني الفائق ويحتضنها بين ذراعيه الحانيتين .. وعندما يقترب الشيطان منها بمنظره الأسود  القبيح ويحاول أن ينتزعها ، كان الرب ينتهره ويدفعه عنها ... ويحوطها بقوة بين ذراعيه، ثم يربض بيده الحانية عليها ليبعث في نفسها السلام والطمأنينة.
 
وكانت دائماً تصف وجهه الجميل النوراني وكيف كانت تداعبه في ذقنه الصفراء المتوهجة كأشعة الشمس. في براءة طفولية، ثم تتحدث بإنبهار عن حنوه فتقول "أد أيه كان الحنان اللي فيه عجيب" .. وقد فسر أحد أحبائها الرهبان هذا الاختبار الروحي فقال: إن تعرضها لهذه الحروب الشرسة من الشيطان ، وفي هذا السن بالذات ، أكد لي بلا شك إنها مختارة ونذيرة للرب منذ صباها...
 
وها نحن نسرد هذا الحدث الروحاني ، بلهجتها الصعيدية الحلوة .. في حديثها للأباء الرهبان .. قالت: أمي فاتتني يتيمة .. وبعدين أنا كنت بنترعبوا ونخاف .. وأنا طفلة كان يمسكني على إيديه حبيبي يسوع، ويجول لي ما تخافيس
( = يقول لي ما تخافيش) كان يعني لاهيني. كان لما يديني( = يجيني) ، ويدي العدو ويضرب الباب في الأوضة اللي جاعدة فيها (= قاعدة فيها ).  كنت أخاف أنا ... نمسك في ردلين مين ( = رجلين مين)  ردلين حبيبي يسوع.
يدبدب علي (يخبط علي) ويجول لي ما تخافيس .. أنا معاكي ... إتخافي من إيه لما أنا معاكي. ما تخافيس. وكنت نفرح بيه لما يجعد (= يقعد)  معايا الليل كله ، ويدبدب علي ويجول لي متخافيس.
دمال .. دمال .. دمال (= جمال) .. مافيس دمال زييه ( = ما فيش جمال زيه) ولماكون خايفة أنا ، يجول لي ما تخافيس .. أنا معاكي .. ولما كان يديلي (= يجيلي) كون نفرح بيه (= كنت أفرح بيه).
 
لما  كبرت شوية 12 – 14 سنة ، سمعت على إن فيه أديرة وراهبات، وطبعاً فهمت أن الراهبات دول عندهم فرصة إنهم يعيشوا مع ربنا أكثر من أي إنسانة ثانية مشغولة ببيت وزوج وأولاد وكده .. فاشتاقت إنها تكون راهبة.
فقالت لهم: أنا أترهبن، وهي يتيمة من الأم، فقالوا لها: رهبنة إيه ؟! (وضحكوا عليها) دي الرهبنة دي والأديرة بتاعة الراهبات .. ما يخدوش إلا إن كانت واحدة مكسحة ، واحدة عميا.. هما دول إللي يخدوهم في الدير، لكن أنتي مفتحة .. ما يرضوش يقبلوكي في الدير.
فراحت من وراهم، وجابت تراب وكبست عينيها  علشان تعمي .. وبعد كده تروح الدير. بالبساطة بتاعتها دي. لكن طبعاً ربنا شفى عينيها وماكنشى إرادة ربنا إنها تعيش حياة الرهبنة.
 
هنا وتستطرد أم عبد السيد حديثها الممتع مع أباؤنا الرهبان، فتقول عن هذه الفترة من حياتها:
كان الرهاب (= الرهبان) زمان يخدوهم عمى ، جولت أيوه (= قولت أيوه)، أنا مرة راح نكبس إعني ملال من الفرن (= تراب من الفرن)، وإعني يتفجعوا (= عيني تتفقع) ونروح الدير. .. جبت شوية ملال وكبست إعني .. نضفوا إعني وما روحتس الدير
( = وما روحتش الدير) .. ليه .. ما نستحجس الدير (= ما نستحقش الدير) .. مسكينة أنا .. ما نستحجس الدير.
 
وبعدما باءت كل محاولاتها بالفشل تجاه رغبتها في الرهبنة، قام والدها بتزويجها رغم أنفها ... حتى يقطع عنها كل أفكار الرباطات الديرية، ويضمن عدم سيرها نحو هذا الطريق الروحاني.
فتزوجت في سن الرابعة عشر من إنسان شرير وقاس القلب، تجرعت كأس مرارته وأتون عذاباته لسنين طويلة.
ولأنها تيقنت "إنه بضيقات كثيرة، ينبغي أن ندخل ملكوت الله"  (أع 14 : 22).
 
فقد احتملت في سبيل ذلك إنها ظلت لمدة أربعين سنة تضرب منه بجريد نخل يكتظ بالأشواك المسننة .. فكانت مع كل ضربة يتدفق منها الدم بغزارة كجريان الماء، فترجع إليه الجريدة مرة أخرى ليواصل تعذيبه لها مستهينة في ذلك بآلامها الجسدية والنفسية ... وبينما جراحاتها تدمى ، تقول له : مش مهم عندي آلامي وجراحي، فكل إللي يهمني خلاص نفسك، حتى إنها في أحد المرات، صعدت إلى سطح البيت والدم يتساقط منها ، وصارعت حبيبها يسوع (رجل الأوجاع ومختبر الأحزان) (أش 53: 3)
 
وطلبت من أجل زوجها  فقالت : سوف يا حبيبي ( = شوف يا حبيبي) ، أنا النهارده  مانسيبكس (= ما أسيبكش) ده سريك حياتي (= ده شريك حياتي)، إتخليه عايس في الخطية (= تخليه عايش في الخطية) يعني أنا نروح السماء وهو يروح دهنم (=يعني أنا أروح السماء وهو يروح جهنم)، ده حرام، أوعى تكتب عليه خطية .. أنا عنجولك (= أنا بقول لك).. أوعى يا رب تكتب على دوزي (= جوزي) خطية ، وإنت إتألمت جبلنا (= قبلنا) وكل ده ما يديس سكة  ( ما يجيش شكة) من الآلام بتاعتك ...
فيا للعجب من عمق الفهم ده. إنها بتطلب المغفرة .. لواحد بيعذبها كما لو كانت مش إنسانة، تطلب له المغفرة، وكمان عندها فهم لروح الصليب ، وتقول له : إنت أتألمت قبلي .. يعني إيه آلامي دي جنب آلامك.
 
سألها الأسقف ... ومين علمك كده؟ .. جاوبت برضه باللغة البسيطة بتاعتها ... فقالت : الروح وحدها تعلم كل حاجة .. الروح وحدها..(يعني عايزه تقول : روح الله وحده .. هو إللي بيفهمني).
 
أما بالنسبة لزوجها سار في طريق الخطية وحياة الزنى ، فترك زوجته وأولاده .. في بيت أهله، فأذلوها وأهانوها وعايروها، بدلاً من أن يكونوا سبباً في تعزيتها وراحتها.
 
فضحت بشبابها وحياتها من أجل مسئولية تربية أطفالها، فعملت وكدت حتى تربيهم ، فيسكنوا آمنين غير معوزين لشيء.
 
ودارت عجلة الزمن .. مرض الرجل وانهكت قواه، ولما سمعت زوجته الوفية بذلك، لم تفكر فيما صنعه معها ، بل أتت به وخدمته بكل تفاني وحب .. وصارت تداويه. حتى استجاب الرب لطلبتها من أجل هدايته ، كما صنع بالقديس أغسطينوس ، استجابه لطلبة والدته .. فرجع عن آثامه وتاب، معترفاً بجهالاته وخطاياه.
 
ولقد كشف لها الرب في رؤية عن قرب رحيله ، فأشترت أكفان وقامت بحياكتها .. وأثناء ذلك شكتها الإبرة ، فرسمت صليب بالدم على الأكفان، ثم قالت لزوجها: "بالك يا أبو عبد السيد .. إنت راح تموت جبليه (قبليه)، ودمي راح يروح معاك، وراح تتكفن بالأكفان دى ودمي راح يروح معاك " .... وقد تمت نبوتها بالفعل .. فمات زوجها ، ولفته في تلك الأكفان التي أعدتها خصيصاً من أجله.  وختمت بعبارة جميلة كخلاصة روحية لخبرة السنين .. "سوف (= شوف) العمل إللي عمله معايا ده ، وكنت بنصليله مرجده ( = مكانه ) يكون السماء".
 
وكان من التجارب الأولية التي صمدت أمامها دون أن تنسب لله جهالة، موت أربعة من أولادها، كانوا باكورة إنجابها  وهم : نظير ، حكمت ، سعيد ، أمل.  فقدتهم جميعاً على التوالي..
وقد وجدنا تعزية كبيرة في قصة وفاة إبنها سعيد الذي انتقل للأمجاد السمائية وهو في مقتبل شبابه، بعدما أصيب بمرض في الرئة لم ينفع معه دواء..
وصارت مناحة عظيمة حسب طبيعة أهل الصعيد، لكن الله سكب سلاماً خاص في قلب (أم عبد السيد)، فبينما تقوم بتغسيل جسده.. وجدت حمامة إخترقت الحجرة رغم إن الشبابيك والأبواب مغلقة، وظلت تحوم حول الجسد ثم تستقر على رأس أم عبد السيد ... تحوم حول الجسد وتستقر على رأس أم عبد السيد ... فأدركت قديستنا مشاركة السماء لها بالتعزية والفرح، عند إنتقال ولدها.
فقامت وطبخت للجميع بعد دفن الجثة بل ووعظت موكب الحاضرين، فقالت:
"يا دماعة (= يا جماعة) إبني ده راح السما، وبعدين جال لي (= قال لي) يا ماما .. ما تبكيس علي (= ما تبكيش علي) .. وإحنا غسلناه وودناه لعروسته، وجولت له (= قولت له) يا بنى روح..إنت رايح الدنة (= الجنة) وإحنا رايحين وراك يا سعيد ، فيا بخته ويا هانياه ... فخلاص يا دماعة. حزن ما فيس (= ما فيش) ، والعريس ودناه لعروسته .. فلو ما عايزينيس تآتلوا (فلو ما عايزينش تاكلوا) تبجوا حزانى ، ولو عايزين تآتلوا، يبجي ده فرح (= يبقى ده فرح).." وللوقت قامت ووزعت شربات وبسكويت على الحاضرين ، لتعلن إنه لا يوجد معنى للموت في المسيحية بل هو إنتقال.
 
ارسالية الرب يسوع
أحدثت أم عبد السيد نهضة روحية قوية في بلاد الوجه القبلي. وكانت البداية عندما ظهر لها الرب يسوع بنفسه ودعاها للخدمة، ثم أشار لها بأحد البيوت القبطية في إحدى النجوع لتكون منبع للكرازة بأسم المسيح..
فسارت القديسة في مقتبل حياتها بناءاً على دعوة الرب ، وطرقت الباب في المكان المشار إليه ولما سألتها صاحبة البيت "مين بيخبط؟"  قالت لها أم عبد السيد .."افتحي.. أنا مشيعني ليكي يسوع" . وكان أن بشرتها بصنيع الرب الخلاصي في جنس البشرية، حتى قبلت الكلمة بكل نشاط (أ ع 17 : 11) كما فعل القديس مرقس الرسول في بيت إينيانوس الأسكافي، وسريعاً ما انتشرت كلمة الرب في كل الكورة (أع 13 : 49).
وأنارت هذه التقية طريق الحياة الأبدية للشعب الجالس في الظلمة ، الذي إكتسى في ذلك الزمان بثوب العتام الروحي ، رغم أن التاريخ ينقل لنا قوة الروح التي اشتعلت فيه وقت عصور الاستشهاد حتى قدمت أرض الصعيد للكنيسة ، أعداداً لا حصر لها من القديسين والشهداء والمتعبدين .. ونطقت كلمات الوحي الإلهي في حياة أم عبد السيد.
"روح الرب علي، لأنه مسحني لأبشر المساكين ، أرسلني لأشفي المنكسري القلوب لأنادي للمأسورين بالأطلاق وللعمي بالبصر ، وأرسل المنسحقين في الحرية وأكرز بسنة الرب المقبولة (لو 4: 18 ، 19)
فكانت تسير أميالاً كثيرة على أقدامها ، من بلد لبلد وسط الجبال المخيفة .. والطرق غير الممهدة كيما تكرز بأسم المسيح ، وترسي مبادئ الإنجيل الحية في القلوب ، فتجد الرب بنفسه يخطو أمامها ويشير بيده للأماكن المحتاجة للكرازة ، والمتعطشة لعمل النعمة .. فصار هو المرشد والدليل في كل تحركاتها وتنقلاتها.
وتذكر إحدى خادمات أخوة الرب هذا الموقف الجميل ، في ذكرياتها مع أم الغلابة: في إحدى أيام الخدمة، وبينما كنا في افتقادات كثيرة بأحدى المناطق وجدتها قالت فجأة " يا حبيبي أنت ماشي قدامي" سألتها "مين ده يا خالتي أم عبد السيد" .. أجابتني "يسوع حبيبي ماشي قدامي، هو قال لي إخدمي وأنا همشي معاكي"..
 
إنتقلت أم عبد السيد إلى حي شبرا مصر بأواخر الخمسينات، وسكنت بأرض الطويل (الترعة البولاقية)، بعد أن ظلت تخدم بين الجمعيات القبطية بالمنطقة لبضع سنوات .. ومع بداية السبعينات .. إلتقى بركتان عظيمتان في جيلنا المعاصر .. أبونا أخنوخ وأم عبد السيد .. (وكانا كلاهما بارين أمام الله، سالكين في جميع وصايا الرب وأحكامه بلا لوم) (لو 1: 6) فاستطاعا أن يحرر كلمة الله المكتومة في منطقة كانت أشبه بحال أهل سدوم وعمورة، وكان محور خدمتهم الرب يسوع الذي لم يأت ليخدم بل ليخدم (مت 2: 2).
وكانت بركة الرب غير العادية إذ قد إمتلء بيت أم عبد السيد بأقباط المنطقة بطريقة معجزية غير مرتبة ، فكيف كان هذا ، وكيف علموا بميعاد الاجتماع ومكانه .. لا ندرى؟
لكننا إختبرنا إن كلمة الله كانت تنمو وتزداد (أ ع 12 : 24) ، وكان الرب يضم إلى الكنيسة الذين يخلصون (أ ع 2: 47 ).
فامتلئت شبكة الرب بصيد وفير ، بعد أن كان شعب المنطقة يعيش في ضلال شديد وعرف الناس طريق الكنيسة بعدما كانوا يدخلونها فقط في تناصير أولادهم.
وأنضمت إليهم بعض السيدات للإشتراك في خدمة الفقراء والمعوزين ...
 
لكل قديس في بستان الكنيسة وردة برائحة خاصة تميزه بين الورود ... وأما هذه فقد فاح منها عبق البساطة والتلقائية الشديدة ... والتي جذبت بهم الكثيرين إلى حضن الملكوت.
أم عبد السيد البسيطة في معيشتها .. فقد كانت تسكن في حجرة بسيطة خاوية من الأثاث، ومرقدها فوق حصيرة متهالكة تأويها من حر الصيف أو برد الشتاء غير عابئة بأمراض الجسد أو شيخوخة العمر.
 
لا يوجد مقياس للحب ... إلا .. الحب بلا مقياس ، والذي سلك بهذا المفهوم يكون قد وصل لقمة الكمال المسيحي "ألبسوا المحبة التي هي رباط الكمال" (كو 3 : 14).
 
وتضرم نيران الحب في قلب كل مؤمن حقيقي بسكنى الروح القدس ، "لأن محبة الله قد إنسكبت في قلوبنا بالروح القدس المعطى لنا" (رؤ 5: 5).
 
فالذي يريد الدخول إلى "حرية مجد أولاد الله" (رؤ 8 : 21) عليه أن يسلك كما سلك الرب يسوع، الذي أحب حتى الموت. والقديس يوحنا الحبيب يوصينا " يا أولادي لا نحب بالكلام ولا باللسان، بل بالعمل والحق" (1 يو 3 : 18) لكي نصل بذلك إلى معنى الحب الحقيقي.
 
والحب بالنسبة لأناس الله القديسين، ليس هو مجرد كلمات رنانة تلقى في الهواء ولا آيات محفوظة تخرج من المنابر في العظات، لكنه عمل وفعل .. تتسع دائرته ، لتشمل الجميع دون حدود لديانة أو جنيسة أو طائفة.
جمعت أم عبد السيد في شخصيتها بين روح القديس الأنبا إبرآم في محبته للفقراء وبين روح القديس البابا كيرلس في محبته للصلاة، فرغم إنها كانت مهتمة جداً بالعمل المرتوي في كرم الرب .. برعت أيضاً في العمل المريمي المتمثل في الإختلاء الروحي بالرب والتعبد الإنفرادي في الصلاة .
 
فبعد عناء اليوم الطويل من مشقة الخدمة ، يأتي الليل لتنطلق روحها وترتاح في حضن الحبيب يسوع – فتستمر في صلوات وتسابيح ارتجالية دون توقف ، وتظل تردد في بساطة عبارة (كيريي ليسون = يا رب ارحم) بين كل طلبة وأخرى . وكانت لهذه العبارة مذاقة خاصة عندها وعند كل المجاهدين عموماً، لأن شعبنا القبطي عرف مقدار فاعلية هذه الطلبة في معجزة نقل جبل المقطم..
 
كما كان للمرض مفهوم آخر عندها ودافع قوي للسهر الروحي .. فقد قالت ذات مرة "أنا فرحانة بالمرض ده.. المرض بيخليني سهرانة مع حبيبي يسوع ، فمش المهم – الجسد – سبنا من الجسد، لكن كفاية حبيبي يسوع .. إللي نطرة واحدة منه تكفيني... فآل ذاك إلى عشرة قوية بالرب، سمت فيها إلى درجة الإختطاف العقلي الذي اختبره القديس بولس الرسول ".. فإني آتي إلى مناظر الرب وإعلاناته" أعرف إنساناً في المسيح قبل أربع عشرة سنة أفي الجسد؟ لست أعلم. أم خارج الجسد؟ لست أعلم. الله يعلم. إختطف هذا إلى السماء الثالثة" (2 كو 12 : 12: 1 ،2).
 
ولأن الصلاة ترتبط إرتباطاً وثيقاً بالصوم، إذ إنهما سلاح الروح الغالب بالنسبة لميدان الجهاد الروحي، فقد صارت أم عبد السيد "عابدة بأصوام وطلبات ليلاً ونهاراً" (لو 2 : 37).
فكانت تركن إلى الأصوام الكنسية ، ولفترات إنقاطاعية طويلة.. بعدها تأكل البسيط القليل من البقوليات، أو تغمس الخبز في السائل المحيط بالخضروات المطبوخة وتأكله دون أن تأكل الخضروات نفسها.. حتى في شدة أمراضها، كانت تمارس الصوم وتقمع
 الجسد ، ومن الأشياء الجميلة إنها انتقلت من هذا العالم في أيام صوم الميلاد.
 
ومن بعض الصلوات والطلبات والأقوال الروحية النافعة لنعرف إلى أي مقدار من البساطة والدالة – وصلت هذه الروح النارية:  يا رب مالي غيرك .. أصبح وأبات في خيرك. لا تنسيني رحمتك .. ولا تحوجني لواحد غيرك. أحط جنبي اليمين .. إتكلت على الملاك ميخائيل. أحط جنبي الشمال .. إتكلت على الملاك غبريال. أحط راسي .. إتكلت على حراسي. أحط ظهري .. إتكلت على ربي. المناولة تشفيني ويسوع شابعني. ربي رب العطية ، إغفرلي ذنبي والخطية . من خطف غنيمة من يد الجبار. دي مخازنه واسعة جداً .. حبيبي قرب يجي وياخد إللي ليه.
 
كانت دالتها عجيبة  "بحبيبها يسوع"... تفوق كل المعاني وترتفع فوق كل العبارات ... وهي لم تكن تتكلم عن أي شيء في الدنيا سوى حبيبها يسوع وعمله معها .. وعند وقوعها في ضيقة، أو عندما تقابلها مشكلة .. تسرع إليه وتطلب نجدته .. فيأتيها من سمواته بالمعونة والتعزية ليمهد الطريق ويصير المعوجات مستقيمة .. ثم تقول لمن حولها  "جلت لحبيبي يسوع ، تعالى إتصرف .. سوف (= شوف) المصيبة إللي أنا فيها دي ، فيدي (= فيجي) حبيبي ويخلص الموضوع"...
وكأنها تؤكد للجميع إنه الملجأ والمعين الوحيد في كل ظروف حياتها... وقد عبرت في ذات مرة عن هذا الحب الغامر الذي ملك كل كيانها ، فقالت لآباء رهبان أبو مقار:
ده فرحه هو ما يتجدرس (= ما يتقدرش) يا حبيبي أبداً
فرح يسوع ما يتجدرس بالأمم كلها ، أنا سوف (= شوف) معايا
ولاد ومعايا الدنيا كلها  ، حرف من محبة يسوع – لا. لا .لا .
 
هذا وقد نقلها الحبيب يسوع ، وهي بعد في الجسد لتعاين أمجاد الدهر الآتي ، وقد أظهر لها ذاته مراراً وتكراراً مند صباها ... مما يؤكد وعده..
 
يسوع يريها أمه في رؤية:
قصت أم عبد السيد للآباء الرهبان هذه الرؤية التي أتاها فيها الرب يسوع وأخذها ليريها أمه القديسة مريم ... وقد سار معها على البحر .. كحد تعبيرها .. حتى وصلا لمكان جميل وتجلس به كلية الطهر والقداسة ، ففرحت كثيراً برؤياه.. وقامت من نومها متهللة بالروح وهي ترنم قائلة "يسوع من البحر عداني عداني – وعلى أمه وداني وداني " ، فسألها الآباء الرهبان عن منظرها : فقالت عنجولك لابسة خلج صافي وطارحة صافية (=هقول لكم إنها لابسة هدوم سماوية وطرحة سماوية)، حادات حلوه (= حاجات حلوه).. لكن دمال ونعمة (= لكن جمال ونعم) .. ووداني يسوع ليها وجال لي دي أمي (= وقال لي دي أمي).."
 
يسوع يمنحها موهبة الوعظ : يقول أبي الراهب .. لاحظت إنها متمكنة جداً من الكتاب المقدس، رغم إنها كانت غير متعلمة وبالأخص عندما تقوم بذكر آيات نصية كاملة من سفر إشعياء أو سفر حزقيال ..
فتعجبت من ذلك وسألتها في ذات مرة ، مين عرفك كل ده ، وإنتي ما بتعرفيش تقري وتكتكبى؟‍ وهنا كشفت هذا السر الروحاني .. فقالت : بأن حبيبها يسوع آتاها في ذات اللية وبيده الكتاب المقدس، وقلب لها صفحاته ، ثم سحبه من بين ناظريها .. وقال لها "أنا هتكلم على فمك ولسانك"..
وتؤكد هي ذلك الحدث أيضاً  للآباء الرهبان فتقول "جابه لي يسوع بالليل ، جريته (= قريته)، هو إللي دايه لي حبيبي (= هو إللي جابه لي حبيبي) ، وخده مني تاني .. زعلت أنا  ، جال (= فقال) .. أنا نجرأ (أنا هقرا) على فمك ولسانك...
 
يسوع يكشف لها جراحاته. يسوع يحمل لها جسده ودمه. ....
 
ومن بعض معجزات أم عبد السيد : طلبتها في امتناع الإمطار. "وقال إيليا التشبي من مستوطني جلعاد لآخاب ، حي هو الرب إله إسرائيل الذي وقفت أمامه إنه لا يكون مطر في هذه السنين .. إلا عند قولي " (1 ملو 17: 1) . ومن هذه  العبارة السابقة نربط بين العهد القديم والعهد الجديد لنعرف قوة سلطان القديسين على الطبيعة حيث وقفت أم عبد السيد بنفس دالة إيليا النبي – ورفعت صوتها إلى الرب بنفس الطلبة .. ولكن كيف حدث هذا وماذا جرى؟
يقول أبونا المحبوب القس أرميا بولس (الواعظ الناري) في إحدى عظاته الروحية: مرة وأنا شماس مكرس في كنيسة مار مينا  في شبرا، وكنت رايح مع أبونا أخنوخ بتاع مارمينا نناول شوية مرضى فقراء، وكانت معانا واحدة ست قديسة (يقصد أم عبد السيد) ، والست دي كرست حياتها كلها لخدمة الفقراء، وكان شتا والمطر شديد، دخلنا أول واحد – وبعد المناولة وجينا خارجين والمطره قالت خد عندك.
أبونا قال: طيب نستريح شوية لغاية ما تهدا، وبصيت لقيتلك الست قالت له "يا أبونا هي المطر هتتحكم فينا ، هو إيليا مش زيه زيينا – ده أنت حامل جسد  الرب ودمه أكثر من إيليا . قول لربنا وقف المطره أنا خارج بيك" ... أبونا بص لها وضحك وقال لها " طيب يا خالتي أم فلان .. صلي أنت وقولي .. قالت له : لأ .. بس أوم صلي أنت وقول أبانا الذي.. فقام فعلاً وقلنا أبانا الذي .. وقالت له : يلا المطره هتقف، وفعلاً قال لها .. خلاص على إيمانك نمشي ...
 
وبعد عمر يناهز الثمانين عاماً في ملء البركة، وحياة قداسة تفوح منها رائحة المسيح الذكية، أتي ذلك اليوم الذي أحدث هزة في قلوب كل محبيك يا سيدتي وأمي.
لتنضمي إلى أباؤك وأجدادك من أبطال الإيمان .. وترتاحي بعد عناء الخدمة ومشقة الحياة فناجيت حبيبك يسوع "أنا مجدتك على الأرض العمل الذي أعطيتني لأعمل قد أكملته ، والآن مجدني أنت أيها الآب عند ذاتك بالمجد الذي كان عندك قبل كون العالم " (يو 17 : 4 ، 5 ) – لتسمعي صوته الحنون" أنا عارف أعمالك وتعبك وصبرك ، وقد احتملت ، ولك صبر وتعبت من أجل إسمي ولم تكل" (رؤ 2 :3)
.. ولما حان تسليم الوديعة كشف لك الرب عن موعد إنتقالك إليه ، فكنت تخبرين الناس في فرح بأن أيامك قد أوشكت على الإنتهاء وستلتقي بحبيك يسوع.
 
ولربنا المجد الدائم إلى الأبد أمين .
 
بقلم الشماس أيمن عريان (سلسلة الإنجيل المعاش – الكتاب الرابع)
El/14.01.2004
 

 

باسم الآب والإبن والروح القدس إله واحد آمين

"الأعجوبة العظيمة لرئيس الملائكة ميخائيل مع الفتى تلاصون والغني"

 هلم اليوم وحل في وسطنا يا صاحب القيثارات الحلوة لكي نسبح الرب إله القوات قائلين سبحوا الرب من السموات سبحوه في الأعالي. سبحوه يا جميع ملائكته. سبحوه يا كل جنوده....

إسمع صلواتنا يا محب البشر، وبارك إكليل هذه السنة بنعمك فتمتلىء بر بركتك، بالحقيقة طوبى للمتوكل على الرب والمتلجئ إلى الشفيع في جنس البشر، والجليل في الملائكة الأطهار ميخائيل رئيس الملائكة. هذا الذي نحن مجتمعون لنعيد له اليوم. حقاً، عظيمة هي كرامتك يا رئيس الملائكة الطاهر ميخائيل، وإذ نقدم اليسير في مديحك والتكلم بعجائبك الكثيرة جداً نسألك أن تشفع فينا أمام الله يا ملاك الرأفة والرحمة فكن لنا معيناً في شدائدنا ومنقذاً من أيدي أعدائنا وشفيعاً عن خطايانا.

إجعلنا يا ربي أن نكون مستحقين لميراث ملكوت السموات ومشاركة الشاروبيم تلك التسبحة الملائكية قائلين المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة. قدوس. قدوس. قدوس رب الصباؤوت السماء والأرض مملوءتان من مجدك الأقدس.

والآن يا إخوتي وأحبائي أخبركم بتلك الأعجوبة العظيمة التي لرئيس الملائكة الطاهر ميخائيل.

 

ذلك أنه كان إنسان ساكناً بفلسطين يسمى مركيانوس، وهذا كان غنياً جداً بالذهب والفضة والأموال، والمواشي والحقول، والمزروعات والدور والعبيد والجواري والأراضي والكروم والبساتين، ولم يرزق قط ولد بل كانت له إبنة واحدة، وكانت تسكن في جوار هذا الغني إمرأة مسكينة ذات فاقة عظيمة وهذه لم يكن لها قوت يوم واحد، كان لها إيمان ورجاء ومحبة في رئيس الملائكة الطاهر ميخائيل متوكلة على الله بكل قلبها، تتضرع إليه في كل حين، قائلة : يا رئيس الملائكة ميخائيل أعني وساعدني وأنظر إلى مسكنتي وشقائي أيها المبتهل إلى الله في الخليقة أن يعطيهم قوتهم في كل حين، إسأله عني أنا المسكينة ليعطيني رزقاً لتزول عني هذه الفاقة العظيمة، وهذه المرأة كانت تدخل إلى بيت ذلك الغني وتقضي أشغالهم وتخدمهم وتأخذ أجرتها لتقتات بها. فلما كان أحد الأيام حبلت تلك المرأة المسكينة ولما دنا يوم ولادتها كانت في شدة من الطلق وإن الرجل الغني شعر بذلك مسرعاً وصعد إلى سطح بيته لأنه كان مطلاً على بيت تلك المرأة المسكينة ووقف يسمع ما تقول وإذ هي تصرخ قائلة يا رئيس الملائكة ميخائيل أعني في شدتي لعلمك بي أنه ليس لي أحد يتراءف علي يا سيدي في هذه الصعبة، لأني بائسة حقيرة فلا تغفل عني، بل هلم إلي عاجلاً وكن معيناً لي في شدتي. وكانت تقول ذلك والغني يسمعها من كوة سطحه.

ففتح الله عيني قلبه ورأى السيد المخلص وميخائيل وغبريال يتبعانه فأتوا وجلسوا تحت سقف منزل المرأة وأن ميخائيل سجد أمام المخلص سائلاً قائلاً: الله الرحوم الرؤوف محب البشر تحنن على هذه المرأة المسكينة وخلصها من صعوبة هذا المخاض فقد كابدت شدة عظيمة، إرحمها يا رب وخلصها، أجاب السيد المخلص وقال: يا صفي ميخائيل وكيلي المؤتمن سوف يكمل لك كل ما تسأل، وأن السيد المخلص مد يده الإلهية وباركها فوضعت للوقت غلاماً حسناً، وأن الملاك سأل السيد أيضاً وقال : أنت يا رب الحياة للكل لتدرك رحمتك هذا الغلام المولود وسهل له معيشته ، وأن السيد المخلص بارك الغلام ومد أصبعه الماسك العالم كله إلى دار ذلك الغني وقال: إن غنى هذا الإنسان وإتساعه ونعمته تعود إلى هذا الغلام المولود وهو سيكون الوارث لجميع ما إدخره . وأن الغني لما سمع هذا الكلام جزع قلبه وهلع جداً وإزداد خوفاً وقال في نفسه هذا الكلام حقاً هو من الله. وهؤلاء هم ملائكة الله وحقاً إن مالي وذخائري وكل رزقي سوف يصير لهذا الغلام من بعدي وهو يكون وارثاً لنعمتي وخيراتي،  ثم نزل من سقف بيته حزيناً وصار يتحايل في أخذ الغلام من أمه وليفعل به  حسب مكر قلبه ونيته الرديئة التي لم تتم له فبعد أن مضى للطفل شهران من عمره إستدعى الرجل الغني تلك المرأة المسكينة وقال لها أيتها المرأة أنت تعلمين أنه ليس لي ولد ذكر سوى إبنة واحدة وأنا أظن أنني لا أعود أنجب ولداً إلى الأبد، والآن أعطيني هذا الغلام لأجعله لي ولداً لما في قلبي من محبة عظيمة إلهية، والذي ادخرته سيرته هذا مع إبنتي، وأن الذي قضاه هذا الغني بكلامه فعله الله بسابق علمه، وأن أمه لما سمعت هذا الكلام قالت للغني كيف يكون هذا يا سيدي وأعطي لك ولدي الذي أتعزى به في حياتي فقال لها خير لك أن تعطيه لي ليعيش في هذا الإتساع والغنى أفضل مما يعيش عندك في الفاقة والمسكنه وتجدي أنت أيضاً شيئاً تنتفعين به ويسد عوزك، ولولا محبتي لولدك لكنت أطلب غيره، وأنه مكث يكرر هذا الكلام على مسامع المرأة المسكينة عدة مرات فأذعنت لقوله وأجابته ماذا تعطيني فيه، قال لها: عشرين ديناراً، وأن المرأة أعطته الطفل، وسلم لها الذهب، فقام مسرعاً وأحضر تيساً من الغنم فذبحه وأخذ جلده، وجعل الطفل داخله ورماه في البحر قائلاً: هوذا قد قتلته واسترحت منه، وكان يظن أن وحوش البحر تأكله عاجلاً، لكن الله الصالح محب البشر الرحوم، ورئيس الملائكة المقدسين ميخائيل حفظاً الغلام فلم يمت ولم يلحقه سوء البتة ولا أهلكته دواب البحر المفسدة، ولم يزل سائراً في ذلك الزق وملاك الرب يهديه إلى أن وصل على كورة بعيدة فرمته الأمواج المفسدة، ولم يزل سائراً في ذلك الزق وملاك الرب حافظاً له إلى جانب جزيرة خالية ولم يلحقه شيء من السوء بقدرة الله تعالى وعزته وإعانة رئيس الملائكة ميخائيل إلى أن أتى راعي غنم إلى هناك يسقي غنمه، فرأى الزق بالقرب من شاطىء النهر فبادر إليه بفرح عظيم يظن أن بداخله مالاً، فلما فتحه وجد الطفل داخله حياً لم يمت فمجد قدرة الله العالية والفاعل كل شيء، وصرخ قائلاً: كيرياليسون (يا رب أرحم) اللهم إن أمورك عجيبة، وبحكمة صنعت كل شيء ثم أتى به إلى زوجته ورباه ودعى إسمه "تلاصون" أي أني وجدته في البحر.

فلما إنقضى له سنين كثيرة شاء الرب تبارك وتمجد أن يتم قوله الصادق بما قضاه لذلك الصبي، فسبب السفر لذلك الغني إلى تلك الجزيرة التي فيها الراعي الذي وجد الزق. ففيما هم سائرين في الطريق أعني الغني وعبيده أمسى عليهم الوقت فالتجأوا إلى تلك الجزيرة، وأن الراعي إستضافهم وأنزلهم في بيته، وأمر "تلاصون" أن يهتم بهم، وبما يأكلونه لأن الفتى كان موكلاً على مال الراعي كله، ولم يكن الراعي يعرف غير كسرة الخبز التي يأكلها، وأن الراعي بدأ يدعو تلاصون إفعل كذا وكذا يا إبني تلاصون، إهتم بالقوم كما ينبغي لأنهم رؤساء. وأن الغني لما سمع الراعي يدعو الفتى بهذا الإسم تعجب جداً وقال له... ما معنى هذا الإسم يا أخي؟ قال له... اتفق لي في أمر هذا الفتى أمر عجيب وهو أنني لما كنت في أحد الأيام مجتازاً شاطىء البحر فأسرعت إليه بفرح أظن أن به مالاً فلما فتحته وجدت فيه هذا الفتى فعلمت أن ذلك تدبيراً من الله الذي أتي به إلى ههنا فأخذته وربيته، ودعيت إسمه تلاصون، أي أني وجدته في البحر، ولا شك أن رجلاً شريراً وإمرأة شريرة فعلا هذا لقلة خوفهما من الله. وهوذا يا سيدي الأرخن قد عرفتك بجميع خبره.

وأن الغني لما سمع هذا الكلام بهت جداً بخوف عظيم وكان يقول في نفسه أهذا حي إلى اليوم؟؟ وحزن جداً وامتلأ غيظاً وغضباً على الغلام، وقال للراعي ليتك تصنع خيراً ومعروفاً أيها الرجل المبارك، وتعطيني هذا الفتى لأني أراه شجاعاً قوياً، وقد أحببته جداً ، وأريد أن أصيره لي ولداً، بل وأعطيه جميع ما أملكه من ذخائري لأنه ليس لي ولد، بل إبنة واحدة، وأنا أعطيك عنه عشرين ديناراً. فأجابه الراعي قائلاً : يا مولاي الأرخن كيف يكون هذا وأنا تعبت، وربيته ليكون لي ولداً وسلمته كل مالي لثقتي به، ولست أحب أحداً من أولادي أكثر منه. أجابه الغني قائلاً ... إنني أرى أن لك أولاداً أكثر منه. أجابه الغني قائلاً .. إنني أرى أن لك أولاداً كثيرين يقضون حوائجك ويصنعون إرادتك، وهذا الفتى تلاصون أعطني إياه لأصيره لي ولداً وقد أحببته جداً، وأن الراعي لما سمع الذهب سمح بإعطائه الفتى وقال للأرخن .. إنك تكلفني بما لا أريد ولم تنصفني في ثمنه. قال له كم تريد أن أعطيك عنه؟ أجاب .. خمسين ديناراً. فلما علم الغني أن الراعي وافق أن يعطيه الفتى فرح جداً وللوقت أحضر الذهب بسرعة وسلمه للراعي ثم أخذ الفتى وكتب لزوجته رسالة هكذا قائلاً...  أعلمك أيتها الأخت أن هذا الفتى الواصل إليك بهذه الرسالة هو الطفل الذي وضعناه في الزق ورميناه في قاع البحر، وهوذا أنا في سفري كنت مجتازاً براعي غنم فأخبرني عنه أنه وجده في البحر ورباه وصيره له ولداً، وهوذا قد أرسلته إليك فساعة قراءتك  هذه الرسالة، تقطعين عنقه وترمينه في البحر ليضمحل ذكره من الأرض إلى الأبد، وبعد ذلك ختم الرسالة وسلمه ليد الفتى تلاصون وأركبه بغلة حسنة، وعرفه الطريق.

وأن الفتى خرج من عند الغني وسار في الطريق ولم يعلم أن بيده رسالة قتله وهلاكه. ثم ركب الفتى من عند الراعي وذهب في سبيل حاله.

لم يزل الفتى سائراً في طريقه حتى قرب من مدينة الغني ولم يبق منها سوى ميلاً واحداً وللوقت ظهر له ملاك الرب ميخائيل وهو راكب بغلة بيضاء وعليه حلة ملوكية بشبه أمراء الملك. فقال لتلاصون : من أين قبلت أيها الفتى وإلى أين تمضي؟ وما هذا الكتاب الذي بيدك؟ أجاب تلاصون قائلاً: أيها السيد إن الأرخن رئيسي أرسلني على بيته بهذه الرسالة ولم أعلم مضمونها، فقال له رئيس الملائكة المتشبه بالأمير أرني إياها أيها الفتى لأعلم ما فيها . أجابه تلاصون قائلاً.. كيف يكون هذا يا سيدي؟ قال له أعطها لي وأنا أعطيها لك بعينها لا تتغير، بعد جهد عظيم ناول تلاصون الرسالة للملاك الجليل ميخائيل، فلما أخذها نفخ فيها فأمحى جميع الأحرف الرديئة المكتوبة بيد الغني، وكتب بها شرحاً آخر هكذا ...إعلمي أيتها الأخت المباركة أن هذا الفتى الواصل إليك بهذه الرسالة منسوباً لملوك الروم، اجتمعت أنا به حيث غربتي، وأعطي لى سبعمائة دينارا ً على شرط أن يتزوج إبنتي والآن إحرصي أن تجهزي كل أموره وتزوجيه إبنتي وإهتمي له بصنع زينات حسنة بكل زخارف العالم، وإذا إنقضت أيام العرس  تسلمي له في يديه كل شيء لي ولك من الأموال والذخائر وأحذري أن تخفي عنه شيئاً من كل أموالي لتكون تحت سلطانه إلى أن أحضر، ولما كتب رئيس الملائكة الطاهر ميخائيل هذا الكلام داخل الرسالة سلمها للغلام تلاصون وهي مختومة بخاتم الغني، كأنها لم تتغيرالبتة، وقال له إمض في طريقك بسلام كما أرسلت ثم صعد رئيس الملائكة ميخائيل إلى السموات.

وسار الفتى تلاصون في طريقه والرسالة بيده حتى وصل إلى بيت ذلك الغني وسلمها لإمرأته، فلما قرأتها إبتهجت بالفرح ودعت وكلاءها وأمناءها وقالت لهم... إمضوا عاجلاً وهيئوا جميع آلات العرس كي أزوج إبنتي لهذا الفتى المرسل من جهة والدها، وأن أولئك مضوا مسرعين كأمر سيدتهم وجهزوا كل ما يحتاجون وجميع من في المدينة فرحوا بذلك ثم زوجوا الصبية إبنة الغني للفتى، وكانوا في فرح وأغاني وطرب حتى أنه لم يبق أحد في المدن  القريبة منهم إلا وأتى فرحاً معهم.

فلما كان بعد ثلاثة أشهر، وافى ذلك الغني من سفره، فلما قرب من المدينة مقدار ميل واحد نزل من على حصانه، وفيما يخلع الركاب من رجله إلتقى بأنسان من أهل المدينة فقال له.. أترى يا فلان أهلي معافيين. فقال له .. نعم، وعندهم فرح عظيم ولهم اليوم مدة ثلاثة أشهر وهم في هيج كثير ، وأغاني وأصوات مطربة. أجابه الأرخن قائلاً... ما السبب في ذلك؟ فقال أن الفتى المرسل من جهتك زوجوه لإبنتك كأمرك ولهذا هم يفرحون. فلما سمع الغني هذا الكلام، وعلم أن الغلام تزوج بإبنته وورث كل أمواله ونعمته كقول ربنا يسوع المسيح، صرخ قائلاً .. ما دهاني في هذا اليوم ووصل قلبي من الحزن ثم صعد ليركب حصانه فللوقت خرج السيف من غمده الذي كان متقلداً به وعبر في جوفه، فسقط للوقت ميتاً.

فلما بلغ زوجته هذا الخبر الرديء إضطربت ورمت التراب على رأسها، ووثبت قائمة ، فسقطت للوقت على الأرض ميته.

وهكذا توفي الغني وزوجته في يوم واحد وتم قول الرب على الغني أن جميع أمواله وأرزاقه تكونان لإبن المرأة المسكينة ، فهكذا كان.

بعد ذلك والفتى راقد في إحدى الليالي إذ أشرق عليه نور عظيم حتى أضاء المكان جميعه ، فإنتبه الفتى مرعوباً ، وظهر لملاك الرب ميخائيل رئيس قوات السموات، وقال له .. إستيقظ أيها الفتى وإعرف من أنا المخاطب لك. فقال له الفتى وهو مرعوب من أنت هكذا يا سيدي بهذا المجد العظيم المحيط بك؟؟ قال .. أنا هو رئيس قوات السموات، المبتهل على الله في كل حين عن جنس البشر، أنا هو ميخائيل الذي أتيت في خدمة سيدي يسوع المسيح وغبريال رفيقي نتبعك حيث كانت أمك تطلق بك وأنا سألته من أجلك حتى أعطاك الله هذه النعمة الكثيرة. أنا هو ميخائيل الكائن معك حين وضعك الغني في الزق ورماك في البحر فأصعدتك على الشاطىء وخلصتك. أنا هو ميخائيل الذي ظهر لك في الطريق وغير رسالة الغني بكلام جيد لأنه كان فيها كلام رديء يقصد به هلاكك.

والآن أوصيك بهذه الأرملة التي بجانبك. أحذر أن تتخلى عنها فهي أمك التي ولدتك من أحشائها، وهوذا أنا أكون معك إلى يوم وفاتك. ولما قال هذا أعطاه السلام وقواه. وصعد عنه إلى السموات وهو ينظر إليه.

أرأيتم يا آبائي وإخوتي الأحباء قوة الله وشفاعة رئيس الملائكة الطاهر ميخائيل. فيجب علينا أن نقترب إليه بكل قلوبنا ونطلب إليه أن يشفع فينا أمام السيد المسيح لنجد دالة ومغفرة لخطايانا بالطلبات المقبولة التي لوالدة الإله أمنا العذراء مريم ورئيس ملائكته ميخائيل.

ولربنا المجد الدائم إلى الأبد . آمين. "لأنه يوصي ملائكته بك لكي يحفظك في كل طرقك" (مز 90 : 11)

عجائب وميامر رئيس الملائكة ميخائيل

للقمص إشعياء ميخائيل

EL/ 07 oct. 2003

 

 

 
البطريرك الـ (24) من باباوات الكرازة المرقسية
 
كان هذا القديس ابن أخت البابا ثاوفيلس البطريرك الـ 23 ، وتربى عند خاله في مدرسة الاسكندرية ، وتثقف بعلومها اللاهوتية والفلسفية اللازمة للدفاع عن الدين المسيحي والإيمان الأرثوذكسي القويم. وبعد أن نال القسط الوافر من هذه العلوم، أرسله خاله إلى دير القديس مقار في البرية، فتتلمذ هناك على يد شيخ فاضل اسمه صرابمون ، وقرأ له سائر الكتب الكنسية، وأقوال الآباء الأطهار، وروض عقله بممارسة أعمال التقوى والفضيلة مدة من الزمان.
 
ثم بعد أن قضى في البرية خمس سنوات، أرسله البابا ثاوفيلس إلى الأب سرابيون الأسقف الفاضل، فازداد حكمة وعلما وتدرب على التقوى والفضيلة. وبعد ذلك أعاده الأسقف إلى الاسكندرية، ففرح به خاله كثيراً، ورسمه شماساً، وعينه واعظاً في الكنيسة الكاتدرائية وجعله كاتباً له. فكان إذا وعظ كيرلس، تملك قلوب سامعيه ببلاغته وفصاحته وقوة تأثيره، ومنذ ذلك الحين اشتهر بكثرة علمه وعظم تقواه وقوة تأثيره في تعليمه.
 
ولما تنيح خاله البابا ثاوفيلس في 18 بابه سنة 128 ش (15 أكتوبر سنة 412م) ، أجلسوا هذا الأب موضعه في 20 بابه سنة 128 ش (17 أكتوبر سنة 412م)، فاستضاءت الكنيسة بعلومه، ووجه عنايته لمناهضة العبادة الوثنية، والدفاع عن الدين المسيحي. وبدأ يرد على مفتريات الإمبراطور يوليانوس الكافر في مصنفاته العشرة، التي كانت موضع فخر الشباب الوثنيين ، بزعم أنها هدمت أركان الدين المسيحي. قام البابا كيرلس بتفنيدها بأدلته الساطعة وبراهينه القاطعة وأقواله المقنعة، وطفق يقاوم أصحاب البدع حتى تمكن من قفل كنائسهم والاستيلاْ على أوانيها ثم أمر بطرد اليهود من الاسكندرية، فقام قتال وشغب بين اليهود والنصارى. وتسبب عن ذلك اتساع النزاع بين الوالي وهذا القديس العظيم، الذي قضت عليه شدة تمسكه بالآدات المسيحية وتعاليمها، أن يقوم بنفسه بطلب الصلح مع الوالي الذي رفض قبول الصلح، ولذلك طال النزاع بينهما زماناً.
 
ولما ظهرت بدعة نسطور بطريرك القسطنطينية، الذي تولى الكرسي في سنة 428م، في أيام الإمبراطور تيودوسيوس الثاني الذي أنكر أن العذراء هي والدة الإله. اجتمع لأجله مجمع مسكوني مكون من مائتي أسقف بمدينة أفسس، في عهد الإمبراطور تيودوسيوس الثاني الشهير بالصغير، فرأس القديس كيرلس بابا الاسكندرية هذا المجمع، وناقش نسطور، وأظهر له كفره، وهدده بالحرم والإقصاء عن كرسيه إن لم يرجع عن رأيه الفاسد، وكتب حينئذ الاثني عشر فصلاً عن الإيمان المستقيم ، مفنداً ضلال نسطور. وقد خالفه في ذلك الأنبا يوحنا بطريرك أنطاكية، وبعض الأساقفة الشرقيين منتصرين لنسطور، ولكنهم عادوا إلى الوفاق بعد ذلك، وانتصر كيرلس على خصوم الكنيسة. وقد وضع كثيراً من المقالات والرسائل القيمة مثبتاً فيها "إن الله الكلمة طبيعة واحدة ومشيئة واحدة وأقنوم واحد متجسد". وحرم كل من يفرق المسيح، أو يخرج عن هذا الرأي. ونفى الإمبراطور نسطور في سنة 435م إلى البلاد المصرية، وأقام في أخميم حتى توفى في سنة 440م.
 
ومن أعمال البابا كيرلس الخالدة، شرح الأسفار المقدسة. ولما أكمل سعيه مرض قليلاً وتنيح بسلام في اليوم الثالث من شهر أبيب المبارك سنة 160 ش (27 يونيه سنة 444 م) ، بعد أن أقام على الكرسي الاسكندري إحدى وثلاثين سنة وثمانية شهور وعشرة أيام.
صلاته تكون معنا، آمين.
السنكسار
EL/20.01.2004
 

 

 
صموئيل اسم عبري معناه : الموهوب من الله . أما كلمة "معترف" في الاصطلاح الكنسي ، فهو الذي جاهد في الإيمان في أزمنة الاضطهاد ، وذاق ألوانا من العذابات لا تقل عن عذابات الشهداء ، وأحياناً كانت تفوقها ، ولكنهم لم ينالوا إكليل الشهادة في ذلك الوقت الذي كانوا هم فيه على أتم الاستعداد لذلك. ولذلك تضعهم الكنيسة في المرتبة الثانية للشهداء مباشرة.
 
ولد من أبوين قديسين ، ولم يكن لهما ولد سواه . وكان أبوه أرسلاوس قساً،  فأبصر في رؤى الليل شخصاً مضيئاً يقول له : "لا بد لولدك هذا أن يؤتمن على جماعة كثيرة ، ويكون مختاراً للرب طول أيام حياته".
 
وكان صموئيل طاهراً منذ صغره مثل صموئيل النبي ، وكانت تساوره دائماً فكرة الرهبنة . وفي بعض الأيام ، وجد وسيلة للذهاب إلى برية شيهيت ، ولم يكن يعرف الطريق . فظهر له ملاك الرب في شبه راهب ، ورافقه كأنه يقصد الدير مثله ، إلى أن وصلا إلى جبل شيهيت . وهناك سلمه لرجل قديس يسمى أنبا أغاثون ، فقبله عنده كما أرشده الملاك ، حيث أقام ثلاث سنين طائعاً في كل ما يأمره به . وبعد ذلك، تنيح الشيخ القديس أغاثون. وتفرغ القديس صموئيل للصلوات والأصوام الكثيرة ، حتى أنه كان يصوم أسبوعا أسبوعاً ، فقدموه قساً على كنيسة القديس مقاريوس.
 
وحدث أن أتى إلى البرية رسول يحمل طومس لاوون (اعتراف البابا لاوون بالطبيعتين الذي قرره مجمع خلقيدونية) ، فلما قرأه على الشيوخ ، غار الأنبا صموئيل غيرة الرب ، ووثب وسط الجماعة وأمسك المنشور ومزقه ، قائلاً : "محروم هذا الطومس وكل من يعتقد به ، وملعون كل من يغير الأمانة المستقيمة التي لآبائنا القديسين".
 
فلما رأى الرسول ذلك اغتاظ ، وأمر بغضب أن يضرب القديس بالدبابيس ، ثم يعلق من ذراعه ويلطم ، فصادفت إحدى اللطمات عينه فقلعتها . ثم طرد من الدير، فظهر له ملاك الرب وأمره أن يمضي ويسكن في دير القلمون . فمضى إلى هناك، وبنى ديراً أقام فيه مدة يعلم الملتفين حوله ، ويثبتهم على الأمانة المستقيمة.
 
  واتصل خبره بالمقوقس حاكم مصر ، فأتى إليه ، وطلب منه أن يعترف بمجمع خلقيدونية ، وإذ لم يذعن لرأيه ، ضربه وطرده من الدير ، فمضى وسكن في إحدى الكنائس ، وبعد حين عاد إلى الدير.
 
واتفق مجيء البربر إلى هناك ، فأخذوه معهم في رجوعهم إلى بلادهم . فصلى إلى السيد المسيح أن ينقذه منه . فكان كلما أركبوه جملاً لا يستطيع القيام به ، فتركوه ومضوا . ثم عاد هو إلى ديره.
 
وأتى البربر إلى هناك مرة ثانية ، واخذوه معهم إلى بلادهم وكانوا قد سبوا قبل ذلك الأنبا يؤنس قمص شيهيت. فاجتمع الاثنان في السبى ، وكانا يتعزيان معاً. وحاول أسره أن يغويه لعبادة الشمس. ولما لم يستطع إلى ذلك سبيلاً ، وربط رجله مع جارية من جواريه ، وكلفهما رعاية الإبل ، قصداً منه أن يقع معها في الخطية ، وعندئذ يتسلط عليه فيذعن لقوله ، كما أشار عليه إبليس.
 
وفي هذا جميعه ، كان القديس يزداد شجاعة وقوة قلب ، ولم يزل على هذه الحال، حتى مرض ابن سيده مرض الموت ، فصلى عليه فشفاه ، فشاع خبره في تلك البلاد ، وكان يأتي إليه كل من به مرض، فيصلي عليه ويدهنه بزيت فيبرأ.
 
فأحبه سيده كثيراً ، واعتذر إليه واستغفره ، وعرض عليه أن يطلب ما يريد ، فطلب أن يأمر بعودته إلى ديره ، فأعاده . ولدى وصوله ، اجتمع حوله كثيرون من أولاده ، الذين كانوا قد كثروا جداً حتى بلغوا الألوف . وظهرت له السيدة العذراء ، وقالت له : "إن هذا الوضع هو مسكني إلى الأبد".
 
ولم يعد البربر يغيرون على هذا الدير .
 
وقد وضع هذا الأب مواعظ كثيرة ومقالات شتى ، وتنبأ عن دخول الإسلام مصر.
 
ولما قربت أيام نياحته ، جمع أولاده وأوصاهم أن يثبتوا في مخافة الله والعمل بوصاياه ، ويجاهدوا في سبيل الإيمان المستقيم إلى النفس الأخير ، وتنيح بسلام في اليوم الثامن من شهر كيهك المبارك ( 639  م) .
 
صلاته تكون معنا ، ولربنا المجد دائماً أبدياً. آمين.
 
السنكسار
 
EL/ 16 Nov. 2003
 

 

 
بسم الآب والإبن والروح القدس
الإله الواحد آمين
 
نعمة لكم وسلام من الله أبينا ومن ربنا يسوع المسيح الذي وهب لنا البركات الإلهية، والتمتع بالعشرة مع الله وعودتنا مرة أخرى لميراثنا السماوي الذي فقدناه، بتجسده المقدس بعمله الذي أتمه
عوضاً عنا على الصليب.
 
ضارعاً إلى الرب يسوع المسيح الذي تجسد وتأنس من القديسة مريم العذراء وولد في مذود البقر في بيت لحم، أن يمنحكم جميعاً كل بركة روحية وأن يوفقكم في كل أمور حياتكم.
 
وكحسب عادة الآباء الروحانيين في كنيستنا  القبطية الأرثوذكسية أن يكون لنا في كل عيد تأملاً روحياً حتى يكون احتفالنا بالعيد احتفالاً روحياً يقودنا للتعمق أكثر فأكثر في الحياة الروحية، وفي هذا العيد سنتأمل في الجزء الثاني من (مت 1: 21)،  فلا يجب أن يغيب عن أذهاننا الروحية أن غاية التجسد هو خلاصنا، وهذا واضح ومعلن من بشارة الملاك للقديس يوسف النجار عندما قال له "يا يوسف ابن داود لا تخف أن تأخذ مريم امرأتك. لأن الذي حبل به فيها هو من الروح القدس. فستلد ابناً وتدعو اسمه يسوع لأنه يخلص شعبه من خطاياهم" (مت 1: 20 و 21 ).
 
1 - أول من سنتحدث عنه هو القديس يوسف النجار الذي كان خطيباً للقديسة مريم العذراء. ولقد وصفه الكتاب المقدس بأنه "..كان باراً" (مت 1 : 19) . وهذا يعلن بكل وضوح أنه كان رجلاً مؤمناً ، فالكتاب المقدس أعلن بكل وضوح قائلاً ".. ويبرر من هو من الإيمان بيسوع" (رو 3 : 26). فبإيمانه تمكن من أن يعيش الطاعة للرب الإله،  بالرغم من صعوبة المواقف التي عبر بها. فعندما علم أن القديسة مريم العذراء – خطيبته – حبلى بابن في بطنها كان بإمكانه التفوه بألفاظ نابية ووصفها بصفات رديئة قاسية تجرح مشاعرها الطاهرة النقية. وكان من حقه أن يشهرها ويقدمها للمحاكمة أمام المجمع، وكان من الممكن أن يحكم عليها بالرجم لأنها متلبسة بجريمة السقوط في ذات الفعل. ولكن نظراً لأنه كان رجلاً باراً، لم يشأ أن يشهرها بل أراد تخليتها سراً (مت 1: 19) ، ولكن وفق ما أعلنه الكتاب المقدس لنا بكل وضوح أنه "فيما هو متفكر في هذه الأمور إذ ملاك الرب قد ظهر له في حلم قائلاً يا يوسف ابن داود لا تخف أن تأخذ مريم امرأتك. لان الذي حبل به فيها هو من الروح القدس. فستلد ابناً وتدعو اسمه يسوع لأنه يخلص شعبه من خطاياهم. فقد عاش القديس يوسف النجار الإيمان ، وعندما علم بأن القديسة مريم العذراء حبلى اضطرب ولكنه لم يشأ أن يشهرها، بل أراد تخليتها سراً، وعندما ظهر له الملاك في الرؤيا، آمن بما قيل له وأطاع في الحال لكل ما أمره به الله بالرغم من أن الحدث الذي كان يعبر به أمراً لا يصدقه العقل البشري، ولكنه بالإيمان صدق وقبل ما لا يقبله بالعيان.
 
2 - أما الشخصية الثانية التي سنتحدث عنها في هذا العيد فهي القديسة مريم العذراء التي كانت في العقد الثاني من عمرها يوم أن تمت خطوبتها للقديس يوسف النجار. ويذكر كتاب "تاريخ القديس يوسف النجار" أنها كانت بنت أثنتي عشر سنة عندما خطبت للقديس يوسف النجار. لقد كانت فتاة صغيرة في السن، ولكنها كانت عملاقة في الحياة الروحية. فرئيس الملائكة الجليل جبرائيل قال لها "سلام لك أيتها المملوءة نعمة. الرب معك. مباركة أنت في النساء... لا تخافي يا مريم لأنك قد وجدت نعمة عند الله (لو 1 : 28 – 30) . فيا للكرامة والمجد والرفعة التي نالتها القديسة مريم العذراء. ولكن هل هذه النعمة الإلهية والبركات الروحية التي نالتها تعني أنها لن تتعرض لمواقف قاسية أو ضيق والآم وأحزان؟! كلا البتة. فلقد تعرضت القديسة مريم العذراء لمواقف قاسية ومحزنة، وأحزان والآم وسيف جاز في داخلها. وفي كل هذه المواقف التي عبرت بها لم تفقد إيمانها أو تسليم حياتها بالكلية  لكل ما لا بد أن تعبر به وفق الخطة الإلهية لحياتها. لقد عاشت بالحق حياة الإيمان، وكانت موقنة أنه لا بد من إتمام الغرض الإلهي الذي رسمه وأعده الله. فالقديسة مريم العذراء تحملت الاضطراب والأفكار والمشاعر التي أظهرها القديس يوسف النجار عندما علم أنها حبلى بابن وهي لم تعرف رجلاً. وتعرضت لرحلة شاقة طويلة مجهدة في أواخر أيام حملها حتى وصلت إلى بيت لحم، وهناك جاءت ساعتها لتلد ولم تجد موضعاً تلد فيه إلا في المذود، بالرغم من أنها كانت متأكدة أن هذا المولود هو ابن الله. وتلي هذا تعرضها هي والمولود لرحلة أكثر مشقة من الرحلة الأولى حتى وصلت إلى أرض مصر هرباً من وجه هيرودس الملك الذي كان قد خطط لقتل الصبي، من وجه هيرودس الملك الذي كان قد خطط لقتل الصبي، الذي هو في الحقيقة ابن الله. وبعد موت هيرودس الملك جاء الأمر الإلهي أن يعودوا مرة أخرى ليسكنوا في الناصرة فتحملت مشاق رحلة العودة وما صاحبها من مشاعر الخوف والتعب ومشقة هذه الرحلة الطويلة. وتلي هذا تحملها ولسنوات طويلة للفقر والإهمال. ولكن كل هذه المواقف القاسية والمحزنة والمؤلمة لم تزعزع إيمانها. ولا يجب أن يغيب عن أذهاننا أن نتحدث عنه وهي واقفة عند الصليب لترى ابنها معلقاً على خشبة الصليب، مصلوباً بين لصين واحد عن يمينه والآخر عن يساره بالرغم من أنه وحده الذي بلا خطيئة ولم يوجد في فمه غش. لقد كانت بالفعل مملوءة نعمة فعاشت التبعية الحقيقية للرب يسوع المسيح حاملة الصليب كل يوم. فيجب علينا أن نتذكر معاً هذه الأحداث حتى نتقوى بها. فعبور المؤمن منا بأي الآم أو ضيقات أو شدائد أو أتعاب في هذه الحياة لا يعني على الإطلاق أن هذا المؤمن لا يحيا مع الله. فلا يجب علينا إذاً أن نضطرب ويهتز إيماننا عندما نعبر بأي من هذه المواقف بل لنكثر من الصلاة ولنطلب منه بلجاجة حتى يعضدنا بنعمته الإلهية القادرة أن تمنحنا النصرة فوق كل هذه الظروف، ولنطلب أن نحيا الإيمان، وأن يعمل الإيمان في حياتنا بكل قوة حتى ننقل بإيماننا جبال الخوف والتعب والتذمر والابتعاد عن الله. فحياة القديسة مريم العذراء تعلمنا وبكل وضوح أنه لا يوجد ما يسمى بالصدفة في حياة المؤمن، ولكن كل شيء في حياتنا يسير وفق خطة الله الصالحة لكل مؤمن منا. وبالتالي فيجب على كل مؤمن منا أن ينظر إلى أحداث حياته التي يعبر بها بعيني الإيمان فيرى أن كل ما يفعله معه الله إنما هو حسن جداً.
 
فعندما نتواجه بما يخيب آمالنا في الحياة من ظروف قاسية لا يجب علينا أن نضطرب أو نحزن لأن النعمة الإلهية تعضدنا في مثل هذه المواقف. فالواقع الروحي يعلن لنا أن هذه الظروف القاسية نافعة لحياتنا للغاية، لأنها تساعدنا في تنقية إيماننا وتقودنا لفحص ذواتنا لندرك هل نحن بالحق في الإيمان أم لا. فإن كنا في الإيمان فإن هذه الظروف القاسية تقوي إيماننا ، وبحياتنا وبإيماننا نقود الآخرين إلى ميراث ملكوت السموات. ليتنا لا ندع احتفالنا بعيد الميلاد  يعبر دون أن نلزم أنفسنا بالدخول كل يوم إلى المخدع ونصلي بلجاجة كل يوم ولوقت كاف يحدده كل واحد منا مع أب اعترافه، مخصصين هذا الوقت للطلبات الروحية . لنطلب في الصلاة وبلجاجة حتى نعيش الإيمان وأن نعبد الله بالروح والحق وان نعيش التوبة وحقيقة معموديتنا وأن نحيا الامتلاء من الروح القدس. ليتنا نحيا غير متكاسلين في الاجتهاد حارين في الروح عابدين الرب.
 
3 - أما ثالث من سنتحدث عنهم في هذا العيد فهم الملائكة فلقد ظهر بغتة "جمهور من الجند السماوي مسبحين الله وقائلين المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة" (لو 2 : 13 ، 14). كما أن ملاك الله قد ظهر للرعاة وقال لهم "لا تخافوا فها أنا أبشركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب" (لو 2 : 10). لقد ابتهجت السماء بخلاص البشرية، وظهر هذا الفرح بصورة ملموسة بابتهاج الملائكة بميلاد الرب يسوع المسيح، لأن هذا يعني خلاص البشرية عندما تؤمن بالرب يسوع المسيح. وهذا أيضاً يؤكده الرب يسوع المسيح عندما قال أنه "...يكون فرح في السماء بخاطئ واحد يتوب ... يكون فرح قدام ملائكة الله بخاطئ واحد يتوب (لو 15: 7 ، 10). ليتنا  في احتفالنا بعيد الميلاد المجيد نفحص ذواتنا ونصلي بلجاجة طالبين من الله أن يعضدنا حتى نحيا التوبة ونصنع أثماراً تليق بالتوبة، لأن هذا يولد فرحاً في السماء أمام ملائكة الله.
 
4 - ولا بد لنا أن نتحدث عن الرعاة ، وهنا لا بد من التنويه بأنهم لم يكونوا رعاة يرعون القطعان الخاصة بهم، ولكنها كانوا الرعاة الذين يرعون الغنم الخاصة بالهيكل والتي يؤخذ منها للذبائح في الهيكل. إذاً فهم كانوا من خدام الهيكل ولكن وظيفتهم كانت وظيفة ضئيلة ومتواضعة للغاية. وبالرغم من أن مكانتهم ليست بالمكانة العظمى إلا أن الله أرسل لهم ملاكه وبشرهم بميلاد المخلص. ولم يذكر لنا الكتاب المقدس أن الله قد أرسل ملاكه ليبشر رؤساء الكهنة أو الكهنة بميلاد الرب يسوع المسيح، ولكنه أرسله ليبشر هؤلاء الرعاة.
 
وعندما أضاء مجد الرب حول الرعاة خافوا خوفاً عظيماً ولكن الملاك قال لهم "لا تخافوا" (مت 2: 10). وهنا تجدر الإشارة إلى أن كل من يحيا الإيمان ويعيش الخلاص يعيش عدم الخوف.
 
 ففي أحداث الميلاد تكرر الأمر الإلهي " لا تخافوا" أربعة مرات (مت 1: 20 ، لو 1: 13 ، لو 1: 30 ، لو 2: 10). ولكن بنظرة سريعة للعالم بأجمعه من حولنا نجد أن العالم يعيش الآن الخوف نظراً لابتعاده عن الله. فالشكوى اليوم متزايدة والمخاوف كثيرة نظراً لوجود الأعداء الروحيين أو البشريين الذين يهاجمون بني البشر. ولكن الله يقول لنا "والآن هكذا يقول الرب خالقك يا يعقوب وجابلك يا إسرائيل. لا تخف لأني فديتك . دعوتك باسمك. أنت لي. إذا اجتزت في المياه فأنا معك وفي الأنهار فلا تغمرك. إذا مشيت في النار فلا تلدغ واللهيب لا يحرقك ( إش 43: 1، 2) .
 
 فلنتذكر ونحن نحتفل بعيد الميلاد المجيد أن الغاية من التجسد هو أن نعيش الخلاص، فنحيا عدم الخوف لأننا نلنا المصالحة مع الله بذبيحة الرب يسوع المسيح على الصليب عوضاً عنا. ليتنا نجعل احتفالنا بعيد الميلاد المجيد احتفالاً روحياً، فيه نصرخ إلى الله في صلاة المخدع كل يوم حتى يعمل الروح القدس في حياتنا فنعيش الخلاص ونتحرر من الخوف.
 
5 - أما المجموعة الأخيرة التي سوف نتحدث عنها فهي البشرية بأكملها التي كانت في الظلمة وظلال الموت. ولأجل خلاصها تجسد الرب يسوع المسيح وولد في بيت لحم اليهودية حتى يعود بكل من يؤمن به إلى ميراث ملكوت السموات. وبالنظرة السريعة للذين حولنا نجد من هو مقيد برباطات الشرير، ومن هو في الأحزان والضيقات بسبب المشاكل المادية التي تحيط به، ومن يحيا حياة مبتعدة بالكلية عن الله فعاش الضيق والآلام والبؤس والشقاء. ففي احتفالنا  بعيد الميلاد المجيد هل لي أن أطلب من كل واحد منا أن يفكر في الآخرين الذين حوله وفي حياتهم الروحية وفي أبديتهم؟ .. ليتنا نفكر جيداً في كل من هو بعيد عن الله ، ولنصلي بلجاجة لأجله حتى يتوب ويعيش العشرة الصادقة مع الله. فكل من يعيش الإيمان يدرك مدى عظمة النعمة العاملة في حياته، ونجده دوماً يطلب بلجاجة في الصلاة لأجل الآخرين حتى يتمتعوا بالبركات الروحية التي ذاق حلاوتها. لنتذكر الرعاة الذين تمتعوا بقبول البشارة المجيدة بميلاد الرب يسوع المسيح، وآمنوا بها فتحركوا ورأوا الطفل يسوع المسيح موضوعاً في المذود ، وعاشوا البشارة المفرحة "لا تخافوا". فهل ترى أنك غير قادر على القيام بأي خدمة  سواء في مجال الخدمة الروحية أو في الخدمة الاجتماعية التي تقوم بها الكنيسة؟! ليتك تتذكر الرعاة وتعلم أنك مطالب أن تخدم الآخرين بالنعمة التي منحها لك الرب الإله عندما تعيش الإيمان فتتمكن من قيادة الآخرين للمسيح بحياتك وليس لكلماتك، فكل من يصلي ويطلب بلجاجة كل يوم في المخدع حتى يعيش الامتلاء من الروح القدس فلا بد أن يعطى له، فيتمتع بثمار الروح القدس العاملة فيه ، فيظهر في حياته". محبة . فرح. سلام. طول أناة. لطف. صلاح. إيمان. وداعة. تعفف" (غلا 5 : 22 ، 23). ولنعلم جميعنا أن الكتاب المقدس حذرنا قائلاً: "ضد أمثال هذه ليس ناموس" (غلا 5: 23) . فناموس الحياة المسيحية يعلمنا أن نحب الآخرين سواء كانو أحباء لنا أم أعداء. فالبشرية اليوم متعطشة للمحبة والذين حولنا متعطشون لوجود من يحبهم. ليتنا نضع هذا المطلب أمامنا اليوم ونصلي بلجاجة لأجله في المخدع حتى نعيشه، فنتمكن من قيادة الآخرين للمسيح، متشبهين بالرعاة الذي قبلوا البشارة بفرح وتحركوا في الحال فتلاقوا مع الرب يسوع المسيح.
 
ففي احتفالنا بعيد الميلاد المجيد ... ليتنا نتذكر أن الملاك أعلن أن "اسمه يسوع لأنه يخلص شعبه من خطاياهم"، وهذا يقودنا أن نثبت أنظارنا الروحية على الرب يسوع المسيح، ونصلي بلجاجة حتى نحيا حقيقة معموديتنا ، ونعيش التوبة الحقيقية، بعد أن نلبس ثوب البر الذي لنا في المسيح، لأن الله قد وضع أن نلبس ثوب البر الذي لنا في المسيح، لأن الله قد وضع عليه - أي على الرب يسوع المسيح -  إثم جميعنا.
 
ليتنا جميعاً ونحن نحتفل بعيد الميلاد المجيد أن نتطلع إلى
+ القديس يوسف النجار ونطلب بلجاجة حتى نحيا الإيمان، فنعيش الطاعة لله والتسليم التام له حتى وإن بدت الأمور التي نجتازها من الصعب علينا إدراكها.
 
+ القديسة مريم العذراء فنصحح مسيرتنا الروحية بأن نتحمل أي مشقات أو أتعاب تعترض حياتنا. وعندما نتعرض لأي مخاطر أو أتعاب فلا يليق بنا أن نتشكك في صدق مسيرتنا الروحية بل يجب أن نتقوى ونواصل الجهاد الروحي حاملين كل يوم الصليب.
 
+ ولا بد أن نهتم ونلتزم بالمسئولية الملقاة تجاه كل من هم حولنا حتى يتلاقى الجميع بالرب يسوع المسيح بأن نجذبهم لهذا الطريق بحياتنا التي تظهر إيماننا بصورة حية. وهذا يتطلب منا أن نصلي حتى نحيا الامتلاء بالروح، وأن نتمتع بثمار الروح القدس حية فينا وهذا بدوره سيقودهم ليربحوا الملكوت.
 
نتضرع إلى الله أن يمنحنا جميعا كل بركة وكل نعمة فيواصل الجميع الجهاد الروحي كل يوم ساعين للوصول إلى ميراث ملكوت السموات وأن يوفقكم جميعاً في كافة أمور جهادكم العملي بشفاعة القديسة مريم العذراء والشهيد العظيم مار مينا العجائبي وسائر مصاف الشهداء والقديسين.
 
(سلوانس آفا مينا)
EL/07.01.2004
 

 

يعقوب وعيسو

الشر والخير يتصارعان

يعقوب في أرض الغربة

 

في أرض الغربة

+ لو بقي يعقوب أب الآباء مدللاً في خيمة رفقه، ما أبصرالسموات مفتوحة والسلم النوراني.

+ ولولا توعد عيسو بقتله ، ما ذهب إلى خاله لابان .

+ ولولا ذهابه ما تزوج براحيل التي لولاها ما كتب له حياة، إذ أحيا يوسف نفسه حينما أرسل له قمحاً من مصر.

+ ولولا خداع خاله لابان ما تزوج من ليئة ولولاها لحرم من يهوذا ولاوي الذي من صلب يهوذا أتى المسيا، ومن صلب لاوي كان الكهنوت المقدس!!

+ لولا تغير قلب لابان من جهة يعقوب ما عاد إلى أرض أبيه ، ولما كان ليوسف مكان في أرض مصر. إنها أحداث تتلاقى معاً بعد أن يتصارع فيها الشر مع الخير ويبدو الشر فيها منتصراً ولكن إلى حين حيث يتربع الخير على القمة كأسد يتربص لفريسة من على جبل أكثر علواً.

 

وتزاحم الوالدان في بطنها :

+ هناك في سن الأربعين تزوج إسحق ابن الموعد من رفقه بنت بتوئيل الأرامي ... ومرت الشهور بل السنين ولم يعط إسحق نسلاً، لقد كانت رفقه عاقراً ما يقرب من عشرين سنة، وكان إسحق رجل صلاة وإيمان وثقة في وعد إلهه وبركة أبيه إبراهيم ، لم يتسرب اليأس إلى قلبه بل كانت عناية الرب ترافقه.

+ استجاب الرب لصلاة إسحق، فحبلت رفقة إمراته (تك 25 :21)، وأحست رفقة بآلام الحمل لقد كان في بطنها تصارعاً عجيباً بل عنيفاً إنهما توأمان، ورفعت قلبها سائلة الرب عن هذا الأمر فقال لها الرب:

+ في بطنك أمتان ومن أحشائك يفترق شعبان ، شعب يقوى على شعب، وكبير يستعبد لصغير، فلما كملت أيامها لتلد إذا في بطنها توأمان (تك 25: 23 ، 24) إنهما عيسو ويعقوب.

+ تزاحم الولدان في بطنها (تك 25: 2) بل تصارعا بل تعاركا  الجنينان في بطنها ، ويرى بعض الآباء في هذا الصراع صوة للصراع المستمر بين الشر والخير حتى في داخل أحشاء الكنيسة!! إذ  تود النفوس الصالحة أن تغلب الشر لكن الأشرار يشتاقون إلى تحطيم الأبرار ... ففي عيسو تفهم النفوس الجسدانية أما النفوس الروحية فتفهم في يعقوب!!

 

يعقوب وعيسو:

+ كبر الغلامان فأحب إسحق عيسو إبنه لأنه كان إنسان صيد، وكان إسحق يأكل من صيده. أما رفقة فكانت تحب يعقوب (تك 25: 27 ، 28) وطبخ يعقوب طبيخاً فأتى عيسو من الحقل وهو قد أعيا، فقال عيسو ليعقوب اطعمني من هذا الأحمر... فقال له يعقوب: بعني اليوم بكوريتك (تك 25) وكان في ذلك الزمان للبكورية امتيازات كثيرة:

 + ينوب عن أبيه في غيابه .

+ يأخذ مركز القيادة في الأسرة أو القبيلة بعد موت أبيه.

+ يقوم بخدمة الكهنوت في غياب أبيه أو مرضه أو بعد وفاته.

+ وكان يعتبر الإبن المكرس لله (مر 22 :29).

+ وكان يأخذ نصيب إثنين (تث 21/17).

 

+ وقال له يعقوب بعني اليوم بكوريتك فقال عيسو محتقراً إياها "ها أنا آت إلى الموت فلماذا لي بكورية". "فباع بكوريته ليعقوب واحتقر عيسو البكورية" (تك 25: 34). فاعتبر يعقوب نفسه البكر .. "وخدع أباه" آخذاً بركة البكورية.. كن سيداً لإخوتك وليسجد لك بنو أمك، ليكن لاعنوك ملعونين ومباركون مباركين (تك 27: 29). فحقد عيسو على يعقوب من أجل البركة التي باركه بها أبوه وقال عيسو في قلبه قربت مناحة أبي. فأقتل يعقوب أخي (تك  27 :41).

+ لقد بدأ الشر يلوح في الأفق والمخاطر تلتف بيعقوب... إنه شر عظيم فقد وضع عيسو في قلبه أن يقتل أخاه... وملاْ القلق قلب الأم فدعت رفقه إبنها يعقوب قائلة:

+ فالآن يا إبني اسمع لقولي قم وأهرب إلى أخي لابان إلى حاران وأقم عنده أياماً قليلة حتى يرتد غضب أخيك عنك وينسى ما صنعت به ، ثم أرسل فآخذك من هناك (تك 27: 42 – 45) ودعا إسحق يعقوب وباركه قائلاً: قم أذهب إلى لابان أخي أمك وخذ لنفسك زوجه... إنه يريد ابعاده حتى لا يقتل من عيسو.

 

ما أشد الموقف رهبة ، وما أكثرالسحب الداكنة المحيطة به، لقد كان مدللاً في خيمة أمه رفقة ينعم بدفء وحب الأبوين، وفجأة يجد نفسه هارباً مطارداً...

 

وغابت عنه الشمس:

+ خرج يعقوب من بئر سبع وذهب إلى حاران (تك 28: 10) ، كان في بيت أبيه آمناً، لكنه خرج دون أن يعلم عن أمره شيئاً... خرج من بئر سبع والشكوك تراوده، والأوهام تقلقه، والشر يحاصره... خرج وحيداً لا يحمل معه إلا بركة أبويه وطاعته لهما...

 

+ وهناك بين الرمال وفي أعماق الصحراء كان وحيداً حتى خيم عليه الظلام... ظلام عدم النجاه، ظلام الخوف، ظلام المكان، لقد غابت عنه شمس الرجاء، إذ أشباح الموت تطارده، وتعقب عيسو لقتله يراوده، والضيق والحزن يحاصره ، ظلام دامس مخيف ومستقبل مبهم يحاصره... إنها مشاعر قلق وخوف.

 

+وبين هذه الأفكار والمشاعر صادف مكاناً فأخذ من حجارته وسادة لرأسه وإضطجع في ذلك المكان لأن الشمس كانت قد غابت (تك 28 : 11) نام دون أن يعلم أن الرب في هذا المكان (تك 28: 16) يضع يديه تحت رأسه وسادة له بل يحيط به حافظاً إياه من وحوش وزحافات الصحراء... لم يكن يعلم ذلك أولاً إنما علم أخيراً "لست تعلم أنت الآن ما أنا أصنع ولكنك ستفهم فيما بعد" (مو 13 :7).

+ في ظلمة الخوف لم ترى عيناه الله رغم أنه  قريب منه " لأن الرب قريب" ، ظن أنه بمفرده في صحراء قاحلة ولم يعلم أن الرب يرافقه... أجل وما أن غاصت عيناه في النوم حتى رأى ما لم يتوقع أن يراه... "رأى حلماً وإذ سلم منصوبه على الأرض ورأسها يمس السماء، وهوذا ملائكة الله صاعدة ونازلة عليها ، وهوذا الرب واقف عليها فقال: أنا الرب إله إبراهيم أبيك وإله إسحق، الأرض التي أنت مضطجع عليها أعطيها لك ولنسلك، وها أنا معك وأحفظك حيثما تذهب وأردك إلى هذه الأرض، لأني لا أتركك حتى أفعل ما كلمتك به (تك 28 :12 – 15).

+ لقد رأى مشتهى الأجيال، رأى رمز العذراء التي حملت الله الكلمة في أحشائها ، وسمعت أذناه وعمد الرب بالحفظ الإلهي له حيثما ذهب ، وأينما ذهب، فاستيقظ من نومه وقال: حقاً إن الرب في هذا المكان وأنا لم أعلم ... ما أرهب هذا المكان ، ما هذا إلا بيت الله وهذا باب السماء.

 

+ إنه يحول الشر خيراً ... يسندك في غربتك ، يعزيك في ضيقتك ، يحرسك في وحدتك ، يقدس مسكنك ... يجعل الحجر الذي تحت رأسك عموداً في بيت إيل..

 

+ فلولا هروب يعقوب وتهديد عيسو ما ترك يعقوب خيمته!

+ ولو بقي مدللاً في خيمة أمه، ما أبصر السموات مفتوحة، وما أسند رأسه على حجر الزاوية في وسط الضيق والحرمان...

+ فما أجمل أن نردد مع موسى قائلين:

اكشف لي مجدك لكي أراك لأعرفك (خر 23 :13 الترجمة السبعينية)

 

إلى أرض المشرق:

+ تابع يعقوب مسيرته وقد نذر نذراً قائلاً:

+ إن كان الله معي وحفظني في هذا الطريق الذي أنا سائر فيه وأعطاني خبزاً لأكل وثياباً لألبس ورجعت بسلام إلى بيت أبي، يكون الرب لي إلهاً وهذا الحجر الذي أقمته عموداً يكون بيت الله وكل ما تعطيني فاني أعشّره  لك (تك 28: 20 – 22).

+ ونهض يعقوب مستأنفاً المسيرة وهناك عند البئر المجاور لحاران كان يعقوب سائلاً:

+ يا اخوتي من أين أنتم ؟ فقالوا نحن من حاران فقال لهم هل تعرفون لابان بن ناحور فقالوا هوذا راحيل ابنة آتية  مع الغنم (تك 29 :4 ، 6) "فلما أبصر يعقوب راحيل بنت لابان خاله، وغنم لابان خاله أن يعقوب تقدم ودحرج الحجر عن فم البئر، وسقى غنم لابان خاله وقبّل يعقوب راحيل ورفع صوته وبكى، وأخبر يعقوب راحيل أنه أخو أبيها وأنه ابن رفقة. فركضت وأخبرت أباها، فكان حين سمع لابان خبر يعقوب ابن أخته أنه ركض للقائه وعانقه وقبله وأتى به إلى بيته...وقال له لابان إنما أنت عظمي ولحمي" (تك 29: 10 – 14).

 

يعقوب ولابان :

+ كان للابان ابنتان اسم الكبرى ليئة والصغرى راحيل وكانت عينا ليئة ضعيفتين، وأما راحيل فكانت حسنة الصورة وحسنة المنظر، وأحب يعقوب راحيل (تك 29: 16 – 18)، وطلب يعقوب من خاله لابان أن يعطيه راحيل زوجة له مقابل أن يخدمه سبع سنين.

+ لقد نظر يعقوب إلى الشكل الخارجي فرأى في راحيل ما لم يره في ليئة لقد كانت ليئة مسترخية العينين ، ولم تكن جميلة المنظر، أما راحيل فكانت في عينيه جميلة وحسنة الصورة، ووافق لابان وسلم قطيعه إلى يعقوب ليرعاه وبعد سبع سنين قال يعقوب لخاله "أعطني امرأتي لأن أيامي قد كملت" (تك 29: 21) وصنع لابان وليمة احتفالاً بالزواج:

+ وكان في المساء أنه أخذ ليئة ابنته وأتي إليه فدخل عليها وفي الصباح إذا هي ليئة (تك 29: 23 ، 25) لقد خدعه خاله لابان إذ في وسط الظلام قدم له ليئة بدلاً من راحيل، ولم يكتشف يعقوب الأمر  إلا في الصباح ... وبعد أن دخل عليها وأغتاظ يعقوب وكأنما شر قد أصابه فقال للابان:

+ ما هذا الذي صنعت بي أليس براحيل خدمت عندك. فلماذا خدعتني؟ فقال لابان لا يفعل  هكذا في مكاننا أن تعطى الصغيرة قبل البكر،  أكمل أسبوع هذه  فنعطيك تلك أيضاً على أن ليئة مكروهة ففتح رحمها وأما راحيل فكانت عاقراً...

+ لقد ذهب يعقوب إلى خاله طالباً زوجة وإذ به يخدعه وقدم له الكبيرة بدلاً من الصغيرة ثم بعد أسبوع يطلب منه زواج الصغيرة، إنه شر ما بعده شر... ما أكثر الضيقة والغيظ الذي انتاب يعقوب، لقد تزوج ليئة مرغماً وبدون علمه ، كان يرى في ليئة ضعف العينين وعدم جمال الصورة ولم يكن يعلم أن من نسل ليئة يأتي المسيا كما أن سبط لاوي الذي سيختص بالكهنوت هو من نسلها ، لقد فتح الرب رحمها فولدت رأوبين وشمعون ولاوي ( السبط الخاص بالكهنوت) ويهوذا الذي من نسله ولد المسيح له المجد...

+ وذكر الله راحيل وسمع لها وفتح رحمها وأعطاها الرب يوسف وبنيامين  (تك 35: 18).

 

+ فلولا جمال راحيل، ما بقي يعقوب خادماً سبع سنين.

+ ولولا ولادة راحيل ليوسف، لأهلك الجوع أولاد يعقوب وعلى رأسهم أب الآباء.

+ ولولا خداع لابان ليعقوب وإعطائه ليئة، ما جاء المسيح من صلبه.

+ بل لولا ضعف عيني ليئة وعدم جمالها، ما بقيت حتى تصير ليعقوب زوجة.

+ ولولا عقر راحيل، ما إنفتح قلب يعقوب لليئة.

 

حقً إن الأمور كلها تعمل معاً للخير للذين يحبون الله من كل قلوبهم (رو 8: 28).

 

يعقوب يود العودة إلى الديار

إلى كنعان

+ وبعد أن أنجبت راحيل يوسف بدأ يفكر في العودة إلى أرض كنعان قائلاً للابان خاله: إصرفني لأذهب إلى مكاني وإلى أرضي، أعطني نسائي وأولادي الذين خدمتك بهم فأذهب ، لأنك أنت تعلم خدمتي التي خدمتك (تك 30 : 26).

+ لقد أراد يعقوب أن يرجع لكي يعيش مع أبيه وأمه ولكن خاله لابان ألح عليه بالبقاء لأن الرب أكرم لابان بسبب يعقوب وطلب منه أن يطلب أجره لعمله معه، ولكن يعقوب رفض وطلب شيئاً واحداً: فقال يعقوب لا تعطني شيئاً ، إن صنعت لي هذا الأمر أعود أرعى غنمك وأحفظها. (تك 30 : 31).

+ أجتاز بين غنمك كلها اليوم وأعزل أنت منها كل شاه رقطاء ( أي منقطة قاتم وأبيض) وبلقاء (البياض فيها في هيئة خطوط أو بقع في الجسم) وكل شاه سوداء بين الخرفان والمعزى فيكون مثل ذلك أجري (تك 30: 31، 32) . فقال لابان هوذا ليكن بحسب كلامك (تك 30: 34) ووقف لابان على أن يعطي ليعقوب كل شاه أو معز رقطاء أو بلقاء، وظل يعقوب يرعى الأغنام ست سنوات أخرى.

+ وإتسع يعقوب جداً وكان له غنم كثير وجوار وعبيد وجمال وحمير، (تك 31: 34) وحسد بنو لابان يعقوب قائلين " أخذ يعقوب كل ما كان لأبينا ومما لأبينا صنع كل هذا المجد ونظر يعقوب وجه لابان وإذ به يحمل له شراً (تك 31: 2) لقد غدر لابان بيعقوب، بل غير أجرته عشر مرات ولكن الله لم يسمح له أن يصنع به شراً (تك 31: 7) لقد وقف الرب مع يعقوب ضد ظلم لابان حتى حينما كان لابان يقول ليعقوب الرقط أجرتك ، ولدت كل الغنم رقطاء وإن قال المخططة هي أجرتك ولدت كل الغنم مخططة.

+ لقد كان يعقوب يحيا في رعاية الله وعنايته وكلما ضعف قلبه أو كلما خلف لابان في وعده كان الرب يشدده (تك 31: 8 ، 9) وقال لي ملاك الله في حلم يا يعقوب فقلت هانذا فقال إرفع عينيك وأنظر جميع العجول (الذكور) الصاعدة على الغنم مخططة ورقطاء ومنمرة. لأني قد رأيت كل ما يصنع بك لابان أنا إله بيت أيل حيث مسحت عموداً. حيث نذرت لي نذراً. الآن قم أخرج من هذه الأرض وأرجع إلى أرض ميلادك (تك 31 : 11 – 13).

+ لقد حدثه الرب بلغة العمل في رؤيا طالباً منه الخروج، وأدرك يعقوب أن كل ما يمر في حياته ليس جزافاً أو محض صدفة، إنما هو بتدبير إلهي وسماح من الله حتى تتحقق عناية الله فيه، إن ما أظهره لابان وبنوه من حسد وحقد وشر لم ينل من يعقوب بل كان دافعاً وسبباً لرجوعه إلى أرض ميلاده كما أخبره إله بيت إيل  الذي ظهر له في الطريق فقواه.

 

يعقوب في طريق العودة:

+ أرسل يعقوب ودعا ليئة وراحيل إلى الحقل ، وأخبرهما عن غدر لابان أبيهم ، وطلب منهم الرحيل وهيأ قلبيهما وذهنيهما لقبول الرجوع معه طاعة لله فكان جوابهما كل ما قاله الله لك إفعل (تك 31: 16).

+ وللحال قام يعقوب وحمل أولاده ونساءه على الجمال، وساق كل مواشيه وجميع مقتناه الذي كان قد أقتنى ... ليجيء إلى إسحق أبيه إلى أرض كنعان (تك 31: 17) ، وحينما علم لابان بأن يعقوب قد هرب أخذ أخوته وسعى وراءه مسيرة سبع أيام فأدركه في جبل جلعاد (تك 31: 22).

+ خرج لابان والشر يملأ قلبه متعقباً موكب يعقوب، وكان الشر في قلبه أضعف من صوت الرب له ، ففي جبل جلعاد والرب في قلب يعقوب نائماً، تراءى الرب في حلم إلى لابان الأرامي قائلاً: احترز من أن تكلم يعقوب بخير أو شر (تك 31: 25). "في قدرة يدي أن أصنع بكم شراً ولكن إله أبيكم كلمني البارحة قائلاً أحترز من أن تكلم يعقوب بخير أو شر " (تك 31: 30) هكذا كان كلام لابان إلى يعقوب وأحس يعقوب بعناية الرب وحفظه له ووقوفه بجانبه.

+ فقال يعقوب للابان: الآن عشرين سنة أنا معك. نعاجك وعنازك لم تسقط وكباش غنمك لم آكل، فريسة لم أحضر إليك، أنا كنت أخسرها، من يدي كنت تطلبها ، مسروقة النهار أو مسروقة الليل، كنت في النهار يأكلني الحر وفي الليل الجليد. وطار نومي من عيني، الآن لي عشرون سنة في بيتك. خدمتك أربع عشرة سنة بابنتيك وست سنين بغنمك وقد غيرت أجرتي عشر مرات، لولا إله أبي إبراهيم وهيبة إسحق كان معي كنت الآن قد صرفتني فارغاً. مشقتي وتعب يدي قد نظر الله فوبخك البارحة (تك 31: 38 –42).

+ فذبح يعقوب ذبيحة في الجبل ودعا أخوته ليأكلوا طعاماً... فأكلوا طعاماً وباتوا في الجبل . ثم بكر لابان صباحاً وقبل بنيه وبناته وباركهم ومضى ورجع لابان إلى مكانه. (تك 31: 54 –55).

 

يعقوب يواصل المسيرة تحت الرعاية الإلهية:

+ رجع   لابان إلى مكانه وأما يعقوب فمضى في طريقه إلى كنعان، ورفع نظره وإذ به محاط بجيش من الملائكة فقال يعقوب إذ رآهم هذا جيش الله (تك 32: 1) كانت عناية الرب ترافقه ويمينه تسنده. وأرسل يعقوب رسلاً قدامه إلى عيسو أخيه... لعله يجد نعمة في عينيه، ورغم إحساسه بعناية الرب له وإنقاذه إلا أنه خاف من أخيه ورفع قلبه إلى الله مناجيا: يا إله أبي إبراهيم وإله أبي إسحق... صغير أنا عن كل الطافك نجني من يد أخي عيسو لأني خائف منه (تك 32: 9 ، 11).

+ وهناك في الليل وبينما هو وحيداً  في خلوته ، صارعه إنسان حتى طلوع الفجر ... لقد ظل يصارع مع ملاك الرب حتى الفجر ولما رأى أنه لا يقوي عليه ضرب حق فخذه... حباً !! وهكذا غلب الإنسان وهزم الملاك، وأمسك الإنسان المنتصر بالملاك المغلوب قائلاً:

لا أطلقك حتى تباركني!!

يا له من سر عظيم فالذي يقف مهزوماً هو نفسه أيضاً

يوجد مباركاً للغالب !!! فهو مهزوم لأنه أراد ذلك.

+ لقد تضرع يعقوب أن ينال بركة من ذاك الذي تغلب عليه فكان إطلاق هذا الإسم "إسرائيل" عليه هو نفس البركة التي نالها " فقال له ما إسمك فقال يعقوب فقال لا يدعى إسمك فيما بعد يعقوب بل إسرائيل، لأنك جاهدت مع الله والناس وقدرت وباركه هناك، فدعا يعقوب إسم المكان فينيئيل "وجه الله" قائلاً لأني نظرت الله وجهاً لوجه ونجيت نفسي (تك 32: 30).

 

+ وأشرقت له الشمس !!! ورفع يعقوب عينيه وإذا :

عيسو مقبل إليه فعانقه ووقع على عنقه وقبله وبكيا، ثم رفع عيسو عينيه وأبصر النساء والأولاد وقال ما هؤلاء منك فقال: الأولاد الذين أنعم الله بهم على عبدك (تك 33 :1 – 6).

ثم مضى عيسو في طريقه إلى سعير، ومضى يعقوب في طريقه إلى إسحق.

+ خرج يعقوب من بيت أبيه هارباً من عيسو وكانت الشمس قد غابت (تك 28:11) وعاد يعقوب لملاقاة أخيه وأشرقت له الشمس (تك 32: 31).

+ خرج يعقوب هارباً خائفاً وحيداً ، وعاد يعقوب مع أولاده الإحد عشر ونسائه وجاريتيه ، وقطيع مواشيه وأغنامه إنهم جيوش أقوياء!!

+ خرج والشر يطارده...

وعاد والخير يلاحقه فكانت بركة الرب له، إذ استحق بعنايته ... شعره واحدة من رأسه لم تسقط بل صار له أخوه صدراً حنوناً محباً... بل صار أباً يظل إسمه إلى أبد الآبدين:

إله إبراهيم وإسحق ويعقوب العظيم الذي من نسله ولد لنا يسوع.

خرج وعاد تحت سقف العناية الإلهية فلم يفقد شعره من رأسه ولا من رمش عينه!!

إنها العناية الإلهية!!

 

العناية الإلهية ، للقمص فليمون الأنبا بيشوي

EL/21.12.2003

 

 

 

 

نبذه عن الكنيسة قداسة البابا شنودة الثالث تاريخ الكنيسة القبطية الآباء البطاركة  صور لها تاريخ الأعلام والكنيسة برامج الخدمة أنشطة واجتماعات مقالات مختلفة ألا ديره  مواقع اخرى الصفحة الرئيسية    

Wer sind wir?  Papst Shenouda III Pθre Mikhaοl  Medien  Geschichte Texte zum Nachdenken  Deutschschweiz Suisse Romande  Gottesdienste  Messes  Links  Home 

bulletDie E-Mail Adresse fόr Anregungen und Kommentare adel@coptic-churches.ch

                                                                                                                                        Last Update 28-11-2004